كنار يموت

في الصيف الماضي ضربت خيمتي خلف عين ماء وسط الغابة, وكنت كثيرا ما أستلقي بجوارها لا لأشرب , بل لأكون بقربها برهة الاحظ في هدوء حبيبات سيالها الباردة تنسل من ثنايا أرضهاالسوداء , محوطة بفقاقيع راقصة , ثم تضرب في زحمتها الدائمة نباتي السرخس والطحلب المحيطين بشواطىء العين , ومن حين الى آخر كانت الحيوانات البرية تسمع نداء دعوتها الخافت لمن أحرقه العطش , فتأتي مسرعة مهطعة. ولكنها حينما تراني تتراجع إلى مرقبها من نبات السرخس . حيث تختبىء هناك متسمعة , ولكن الغدير الصغير يستمر في ندائه الخافت , فسرعان ما تخرج من مخبئها, معتبرة اياي صديقا لها لطول جلوسي بقرب غديرها.

وفي ذات يوم ذهبت الى الغدير , فرأيت على غصة شجرة دائمة الخضرة كنار صغيرا طالما لاحظته من قبل مستريحا بجوار الغدير , أو متنقلا في دعة هادئة فوق الأعشاب السندسية , وخيل الى انه ما كان يأتي الى هنا الا لشغفه بحب الغدير مثلي , فنادرا ما رأيته يستقي منه , ولكنه كان دائما هناك , لقد كان كهلا وحيدا. وقد أخذ اللون الأغبر يغير على تاجه اللامع السواد , وأخرج له العمر الطويل قشورا كثيرة حول ساقيه , ولم يكن لتبين عليه الرهبة أو تتملكه رعشة الخوف. فكأنما بعث فيه كر الليالي وداعة الحياة , فكان يتحرك مبتعدا في أناة اذا ما أقترب من مكانه , ولكنه لا يذهب بعيدا , وبلغت به الوداعة أنه كثيرا ما قاربني يظنني لاهيا عنه بتحديقي الدائم في الغدير.

واليوم قد جلس على هذا الغصن المعلق فوق مياه الغدير , في هدوء أكثر من هدوئه الأول, وكان وديعا مستسلما , حتى لم يبد نفورا حينما مددت يدي أتحسسه , بل اتكا في سكون ودعة على أصبعي وأسبل عينيه في طمأنينة , ومضت نصف ساعة , وهو في حالته هذه مسرور يهتز مهوما من آن الى آخر , فاتحا عينيه في فترات , محدقا بها في اتساع , كلما وضعت له على اصبعي نقطة من الماء الذي رواه صغيرا , وصاحبه كبيرا. ولما أقبل المساء وصمتت ألسنة الغابة واستولى عليها سكون موحش , وضعته في رقة ولطف على الشجرة الفينانة , حيث راح في سبات عميق قبل أن أوليه ظهري , وفي الصباح كان موقعه أقرب الى الغدير الحبيب , وعلى غصن دنى من غصنه بالأمس , واستكان مرة أخرى في كنف أصابعي , ورشف في امتنان قطرات الماء من فوق أناملي.

وفي المساء وجدته ناشبا بحذر من جذور شجرته المعهودة , وقد تدلى رأسه إلى أسفل , وعلقت مخالبه بلحاء الجذر علوقا أبديا , وقد لمس منقاره في خفة ذلك الماء النمير , وقد فتح فكيه قليلا للمرة الأخيرة , وراح في سبات دائم آمن , بجوار الغدير الذي عرفه طوال حياته. وظل بجواره الى أن لفظ الروح في جنباته, بجوار الغدير الذي قبلت مياهه منقاره قبلة الوداع, وحفظت صورته في أعماقها الى اللحظة الأخيرة.

لقد ذهب هذا الكنار كما يذهب أغلب سكان الغابة في هدوء وفي أمن , بجوار الغدير الذي عاش على حبه, ومات بقربه. وليست قصته الا مشهدا من فصل الموت في رواية الغابة يتجدد دائما باستمرار: فحين يحس الحيوان بغريزته تدفعه الى البعد عن رفاقه , يمعن في البعد حتى يصل الى غدير أحبه , ويرقد هنالك مختفيا في انتظار الراحة القادمة , وحينما يأتيه الموت لا يظنه الا غفوة تأخذ تعبه معها , ثم يعود بعدها حرا طليقا , وهناك في رقدته الأبدية تخفيه أوراق الأشجار , التي ألفها وألفته, عن أعين أصدقائه وأعدائه على السواء …

قصة قصيرة من الأدب الإنجليزي .. الكاتب Dr. W.G.long .. ترجمة محمد أبو الفتح البشبيشي .. نُشرت بمجلة الرسالة بتاريخ 15-4-1933مـ .

مصدر الصورة ..

إقرأ أيضاً

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s