منتصف الليل في باريس

“يمكن لأحلامك السابقة أن تُكوِن مستقبلك بالكامل يوما ما” كاتب مجهول

دائما نشعر بشىء من الحنين لما هو قديم .. لأن في إعتقادنا أنه من المؤكد كان أجمل على ما سمعنا وقرأنا .. لكن ماذا لو كنت في مكان مغرق في السطحية واللزوجة وكل ما حولك يجبرك على أن تتعلق بالماضي أكثر؟ ماذا لو كنت كاتبا؟ وفي الوقت الذي تتعمق فيه في كتابتك أكثر وجدت ما حولك يتعمق أكثر في حبه للمال والمظاهر؟ ماذا لو كنت تفتقد الجمال بشدة؟ ماذا لو كل تلك الظروف جعلتك في باريس الأن؟ المدينة التي تأثرك بجمالها؟ تحلم بأن تعيش في هذه المدينة ولا يكون هم لك سوى القراءة والكتابة والتسكع في طرقات باريس طالبا الإلهام؟ ماذا لو وجدت نفسك في أجمل احلامك ككاتب؟ ما هو أجمل أحلامك ككاتب على أي حال؟!

أتحدث عن فيلم Woody Allen الجديد Midnight in Paris .. فيلم من نوعية الفانتازيا .. الفيلم في أوله يغرقك في باريس بالكامل .. في الموسيقى وفي الشوارع والمقاهي .. على ضفة نهر السين والمراكب تتهادى وسط خلفية موسيقية .. حسنا .. إن لم تكن تحب باريس فهذه هي اللحظة المناسبة لتفكر فيها من جديد وتغير رأيك .. Woody Allen يجبرك على ذلك ! ثم بطل القصة Gil الذي يقوم ببطولة دوره Owen Wilson وهو هائم بشوارع المدينة وأجمل متعاته هو أن يتسكع هنا وهناك ويحلم بأن يترك الولايات المتحدة ويعيش بباريس فهو لم يجد مدينة أجمل منها تحت المطر .. يحلم برؤية باريس في العشرينات وقت كانت ممتلئة بالكتاب والفنانين والموسيقى .. تلك هي الجنة بدون شك ! .. لكن يأتي موقظه من أحلامه الجميلة خطيبته Inez التي تقوم بدورها Rachel McAdams وتخبره أنها لا يمكن لها أن تترك الولايات المتحدة بعد الزواج ! وأنه شخص غريب وياللسذاجة! من يحب المطر والطين بهذه الطريقة؟! .. وأن عليه أن يعيد النظر من جديد في مهنته ككاتب لا لا من الأحسن أن يتركها ويتفرغ لمهنته التي يبرع فيها وهي كتابة نصوص السيناريو للسنيما بهوليوود .. لم يكن هذا مقنعا بأي حال له ليغير من رأيه .. رأى أن المال والنجاح الباهر في هوليوود لم يروي عطشه لم يجد ذلك أحسن من كتاب جميل ..

لم يكن هذا كافيا كان على Woody Allen أن يزيد من الجرعة ويقابلون أصدقاء لهم صدفة .. Paul الذي يقوم بدوره Michael Sheen وزوجته .. أعجبني أداء Paul في الحقيقة فقد كان مغرقا في اللزوجة ! تعرف في الوقت الذي تكون متيما فيه بشىء ما .. ويخرجك أحدهم بلزوجته المفرطة من كل هذا؟؟ هذا هو Paul الذي يعرف كل شىء عن كل شىء أو بتظاهر بهذا كذبا مع الإحتفاظ بشكله الطاووسي .. ليكن كل تلك كانت عوامل لتزيد من نفور بطلنا الكاتب من واقعه .. إلى أن يأتي يوم يترك فيه “جيل” خطيبته وأصدقائهم ليتمشى وحده في طرقات المدينة .. يجلس على سلالم كنيسة .. وتدق ساعة الكنيسة في منتصف الليل .. ليجد سيارة من طراز قديم ومجموعة من الأشخاص ينادونه ويطلبون منه أن ينضم إليهم .. يركب معهم ليجد نفسه في حفلة ما في مكان ما .. الحفلة بشكل كامل من زمان أخر ! الحفلة مقامة عام 1920! لم يكن هذا كافيا على الإطلاق .. حتى وجد نفسه أمام مؤلف أغان أمريكي قديم عاش يوما ما في عام 1920 ! لكن كان هذا شىء بسيط نوعا ما حتى عرفه ذلك الشخص إلى إرنست همنجواي! إرنست همنجواي الكاتب الأمريكي الكبير !

حسنا .. على عقله أن يتريث قليلا ويستوعب أن همنجواي يقدم له النصح الأدبي ! يخبره عن حياته .. يخبره عن الحرب .. يخبره عن الصدق .. يخبره عن جمال الحقيقة في الكتابة .. كان هذا كثيرا جدا ..

بدوره يقدمه همنجواي إلى الكاتبة الكبيرة Gertrude Stein بطلب أن تراجع روايته الأدبية وتقدم له النصح ! طبعا كل ذلك قبل أن يقابل بابلو بيكاسو في بيتها ! ما هذا .. إنه حلمه الكبير أن يعيش في العصر الثقافي الذهبي هذا !!! إنه بصحبة همنجواي بشخصه ! يتعرف بعدها على Salvador Dalí و Man Ray و Luis Buñuel ثم من خلال كل ذلك تتوطد علاقته بـ”أدريانا” الفتاة التي جائت إلى باريس للتعلم تصميم الأزياء على يد “كوكو شانيل” ويغرم بها .. يجد فيها نقيض خطيبته في كل الأشياء .. ثم إنها تعشق كتابته .. لكنه يفاجىء أنها هي الأخرى مثله تماما! – حتى لشخصيات العالم الفنتازي الحق في الحلم – إنها تحلم أن تعود إلى العصر الثقافي الذهبي من وجهة نظرها وهو أوائل عام 1900 ! كاد أن يجن وهو يخبرها بأنها بالفعل تعيش في اجمل الحقبات في التاريخ الثقافي ولكنها لم تقتنع بكلامه أبدا .. كأن رسالة “وودي آلن” أنه لا يهم متى نحن الأن سنظل نريد أن نعود إلى الماضي ونحلم أنه من المؤكد أن الماضي كان أبدع وأجمل .. وحتى إن عدنا لن نجد ما نبحث عنه .. لأن الحياة في حد ذاتها لا يمكن أن نراها كافية .. لنظل نبحث من جديد ..

حسنا يكفي حرق الأحداث حتى هنا علي أن أتركك تستمتع بما تبقى لك من أحداث بدون حرق ! 🙂 لكن الفيلم جميل جدا ورسالته جميلة جدا لمن يجدون السطحية في عالمهم الحاضر ويتمنون الرحيل إلى الماضي بغير رجعة ! وسط الموسيقى بين الكتب وسط باريس وفي الطرقات وتحت المطر .. حسنا إن كنت تؤمن بأنك الوحيد الذي تحب المطر .. أو غيره .. فأعلم أنك لم تبحث جيدا وأن هناك من يؤمن مثلك تماما .. بأن باريس ليس لها مثيل تحت المطر .. ليس عليك أن تعود إلى الماضي لتقابل من يشاركك هذا الإيمان .. فقط إبحث حولك عنه جيدا !

إعلان الفيلم

مصدر الصورة الأولى

فكرة واحدة على ”منتصف الليل في باريس

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s