فيما بعد الشعرة البيضاء

كل ما فكرت فيه أن أنقذ نفسي بفنجان القهوة الصباحي حتى لا أكمل نومي اللذيذ .. ومططت جسدي كله ليعلن عن إستيقاظه ببعض التقطقات في مفاصلي وضلوعي .. ثم ذهبت لأغسل وجهي لأجبره على الإستيقاظ هو الأخر .. كنت أفتح عيني بصعوبة في ضوء المصباح الكهربي في الحمام .. نزل الماء البارد على يدي فغسلتها ومسحت به وجهي عدة مرات ومسحت شعري فرفعت رأسي إلى المرآة ..

كانت تشتكي الوحدة .. وتقف في تذمر معلنة ذلك .. كانت تقف وسط مجتمع مختلف عنها تماما لا هي منه ولا هو منها .. كانت شعرة بيضاء قد نبتت في شعري .. ويبدو أنها موجودة منذ فترة ولم ألاحظها بما يكفي من قبل .. كانت مثل الكثير من الأشياء التي تنبت رغم عنك وسط زحام حياتك .. لكني لا أعد نفسي ذلك الرجل ذو الشعر الأبيض بعد .. وكأنه ذلك الشىء الذي يحدث للأخرين فقط !

لا أعلم لماذا تذكرتني صغيرا .. ومعلمي يربت على كتفي ويهنئني بإنهاء أول قصة كتبتها .. كانت طفولية كانت سطحية كانت عبثية جدا من طفل صغير ,, رغم ذلك شعر بأهمية أن يشجعني لأني بدأت شىء ما .. وشعرت أنا بما أحبه مبكرا .. أن أقضي عمري بين الكتب وأكتب من خلالها وعنها في أفكارها وأقدمها من جديد لذة للقارئين .. رغم أني كنت صغيرا لكني شعرت أني أريد أن أتعلم علوم الدنيا و أفهم كل أفكار الفلاسفة .. وأعيش في كل روايات الأدباء .. شعرت بهذا الشغف بكل ما حولي لأعرفه وأكتب عنه ..

حتى بالناس شعرت بهم كتبا تسير على قدمين علي أن أتحدث معهم وأعرفهم وأقرأهم من عيونهم وإبتساماتهم وألسنتهم .. حتى السفر وجدت أن عليا أن أسافر كثيرا عندما أكبر لأعرف أكثر وأقرأ كتب التاريخ على حقيقته وعلى ما هو عليه الأن .. كان هذا منذ زمن بعيد .. يبدو أن علي أن أقسم عمري وتأريخي الداخلي إلى ما قبل ميلاد الشعرة البيضاء وما بعد ميلاد الشعرة البيضاء ! .. ليكن .. كان هذا قبل ميلاد الشعرة البيضاء بكثير جدا .. ولكن كيف لم ألاحظ كل هذا الزمن؟ هل هو الزحام حقا؟ أم أني أنا الذي لم أرد أن أتذكره وأستمتع بالزحام والضجيج و المسئوليات على عاتقي؟ شعرت بالهواء من النافذة وقد جفف رأسي من جديد فما كان مني إلا أن أبللها من جديد وكأني لا أريد لهذه الأفكار أن تتوقف الأن .. هل سأبدأ في حبك الأن أيتها الشعرة البيضاء وأنتي تذكرينني بأحلامي القديمة التي غطاها التراب ؟ أم علي أن أكرهك لإنك ذكرتيني بها الأن وسط كل ما أنا فيه؟

الوحيدة التي تذكرني بالزمن دائما هي أمي .. عندما تلح على دائما بالزواج .. وأن كل أصدقائي قد تزوجوا وأنجبوا أيضا , وأنا مازلت كشعرتي البيضاء وسط شعر أسود جميل أيضا وله رونقه ولكنه مختلف عني ولست منه .. أقساط السيارة التي لن تنهي .. و إدخاري لشراء شقة الزواج بزوجة أغلب الظن لن أجدها حتى أتمم العقد الثامن من عمري وأتمم معه المبلغ الذي أحتاجه لشراء الشقة ! أنتظر وأحلم بأشياء ليست هي التي يجب عليا أن أحلم بها في الحقيقة !

لم يكن عليكي أن تظهري اليوم .. في هذا اليوم بالتحديد وانا أجاهد نفسي لأسدد ما عليا من مال .. لماذا عليكي أن تذكرينني أن حلمي كان أصير كاتبا؟ وأن الشعر الأسود حولي كان يجبرني على ألا أكون تحت بند المتطلبات المادية لسد الحاجات ؟ لماذا اليوم يا ملعونتي الصغيرة ؟ اللعنة عليكي وعلى المال !

لماذا ذكرتيني أن علي أن أكون ما حلمت به وما أجد لدنياي طعم ولونا معه وأنه هناك ألوان أخرى في الوجود غير الرمادي ؟ أعلم الأن فقط لماذا ظهرتي للحياة .. أعلم لماذا رأيتك اليوم .. لماذا عليا أن أحبك وأبدأ معكي حياتي من جديد .. لابد أن هناك طريقة ما .. طريقة ما لأكون كما يحلو لي أن أفنى .. وليس أن أعيش حياة مجردة من أي معنى ولا طعم ولا لون ولا رائحة .. علي أنا أكون أنا في عقلي أنا وفي جسدي أنا وليس طريقة حياة شعرة سوداء أخرى .. لمجرد أنها تبدو ألطف !

أطفئت النور وأغلقت باب الحمام ورائي محاولا أن لا أنسى منذ اليوم أن عليا أن أكون أنا و شعرتي البيضاء شيئا واحدا ..

إقرأ أيضاً

فكرة واحدة على ”فيما بعد الشعرة البيضاء

  1. [ طريقة ما لأكون كما يحلو لي أن أفنى .. وليس أن أعيش حياة مجردة من أي معنى ولا طعم ولا لون ولا رائحة .. علي أنا أكون أنا في عقلي أنا وفي جسدي أنا وليس طريقة حياة شعرة سوداء أخرى .. لمجرد أنها تبدو ألطف ! ]

    رائع ..

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s