في إنتظار جودو !

“كلنا نولد مجانين .. البعض يظل كذلك! ” صامويل بيكيت

أعرف الكتاب الصعب “من ناحية كتابته” حين أبدأ في الكتابة عنه أو تلخيص موضوعه .. زاد الأمر كثيرا عن الحد عندما قررت الكتابة عن مسرحية “في إنتظار جودو” للكاتب الأيرلندي “صامويل بيكيت” فتوقفت أكثر من مرة وعدت الكتابة أكثر من مرة لأني لا أعرف من أين يجب عليا أن أبدأ في الحديث .. عن هذا العمل ولا عن هذا الكاتب .. لذلك لا أعدك بأن تقرأ موضوعا جميلا وافيا يلم شمل الأفكار في المسرحية أو ينقدها .. لأن ذلك سيكون السخف بعينه !

عرفت صامويل بيكيت للمرة الأولى من كتاب “صفحات من مذكرات نجيب محفوظ” للناقد رجاء النقاش .. في حديثه عن أدب ومسرح العبث و اللا معقول قال ” أين هذا العبث من بعض أعمال بيكيت المسرحية الجميلة مثل “لعبة النهاية” و “في إنتظار جودو”, وغيرها من الأعمال التي تتميز بجمال في الأسلوب و الإيحاءات و السرد, وقد كان لهذه الأعمال المسرحية تأثيرها على بعض الأدباء العرب” ص61 .. و حين يتحدث نجيب محفوظ وما أعرفه عنه هو الموضوعية الأدبية فكان عليا أن أقرأها !

المسرحية في ذاتها صنعت الكثير من الزخم حول ما هية معانيها وإلى ماذا ترمز .. مما دفع البعض ليعدها من أجمل الأعمال المسرحية في القرن الماضي برمته .. سواء في معانيها التي تدعم المدرسة العدمية الزائعة الصيت في هذه الفترة بعد الحرب العالمية الثانية .

“في إنتظار جودو ” تدور حول شخصين قرروا بشكل ما أن ينتظروا شخصا يدعى جودو يعرف أحدهم لينقذهم من شىء ما حتى لا يعرفون ما هو ! .. يتسائلون إن كان هذا هو اليوم أو هذا هو الميعاد أو حتى هذا هو المكان الذي سيأتي فيه جودو ليلاقيهم .. لكن لسبب ما أيضا يقررون أن ينتظروا ها هنا ..

يقومون .. يجلسون .. يتحدثون .. يضحكون .. يبكون .. يأتي شخص ما يظهر للوجود في عالمهم لفترة ومن ثم يختفي .. يحاولون الإنتحار .. بدون فائدة .. يتعاركون .. يتصالحون .. ثم لا شىء .. ربما كما هي الحياة من وجهة نظر العدمية .. من لا شىء سائرة على غير هدى إلى اللا شىء .. ولكن في نفس الوقت كل ذلك في خلال حوارات قصيرة غاية في العمق ترمز إلى الوجود الإنساني ذاته من وجهة نظر بيكيت على الرغم من البساطة الموحية في سطحها ..

يمر عليهم رجل يربط حبل حول رقبة خادمه .. وكأنه كلبه .. بشكل ما تصرفات هذا الرجل تبدو ككلب أقرب من كونه بشريا .. ربما ترمز أيضا للإستعباد بأشكاله وأنواعه وهو يحول الإنسان رويدا رويدا لصفته الحيوانية وينفي عنه عقله ..

أما الشجرة التي ينتظرون عندها جودو .. وكأنها الشجرة التي بدأته منها الحياة نفسه .. وكأن جودود هذا هو الله أو العدل أو الحل في أزمات البشر أو الإيمان في ذاته .. رغم أن هذا الأمر والإشارة إلى رمزيته قتلت نقاشا وهي قضية خاسرة على أي حال لأننا نحمل المعنى الأدبي تفسيرا هو غير ملزم به بل التفسير يفسده ! على أي حال أذكر كلمة لصامويل بيكيت يقول : If by Godot I had meant God I would have said God, and not Godot. – لو بجودو قصدت أنه الله God لكنت سميته الله وليس جودو ! ..

لكن عموما أرى أن جودو هو رمز للشىء الذي لا يجيء .. أي كان هذا الشىء الذي أنت في إنتظاره .. ومن رؤية بيكيت أن الإنسان هو في حالة إنتظار دائمة من يوم ينتظر ولادته إلى أن ينتظر كل شىء خلال حياته ينتظر العدل ينتظر الحرية إلى أن ينتظر موته ..

بشكل عام أوحت لي المسرحية بأن لا شىء أكيد .. لا شىء يقيني على الإطلاق .. إختلطت فيها الكوميدية الهزلية مع الحزن الواضح بين سطورها .. إختلطت فيها ثقافة واسعة وفلسفة عميقة وأحيانا الفكر الديني لصامويل بيكيت .. وسواء إختلفت مع الفكر العدمي أو إتفقت .. أنصحك بقرائتها 🙂 ..

ولا أستطيع أن أنسى هنا الإشارة إلى عمل مجتهد من المدون الصديق أمير زكي لترجمة سيرة صامويل بيكيت والتعريف الدائم بأعماله وأفكاره .. يمكنك متابعة أجزائها على الرابط  ..

مصدر الصورة

إجعل العالم يقرأ هذه التدوينة .. :)

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s